محمد بن جرير الطبري

596

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

بلغنا ساعا ثم إن سليمان بن صرد عبى الكتائب كما امره زفر ، ثم اقبل حتى انتهى إلى عين الورده فنزل في غربيها ، وسبق القوم إليها ، فعسكروا ، وأقام بها خمسا لا يبرح ، واستراحوا واطمأنوا ، واراحوا خيلهم . قال هشام : قال أبو مخنف ، عن عطية بن الحارث ، عن عبد الله بن غزيه ، قال : اقبل أهل الشام في عساكرهم حتى كانوا من عين الورده على مسيره يوم وليله ، قال عبد الله بن غزيه : فقام فينا سليمان فحمد الله فأطال ، واثنى عليه فاطنب ، ثم ذكر السماء والأرض ، والجبال والبحار وما فيهن من الآيات ، وذكر آلاء الله ونعمه ، وذكر الدنيا فزهد فيها ، وذكر الآخرة فرغب فيها ، فذكر من هذا ما لم احصه ، ولم أقدر على حفظه ، ثم قال : اما بعد ، فقد أتاكم الله بعدوكم الذي دابتم في المسير اليه آناء الليل والنهار ، تريدون فيما تظهرون التوبة النصوح ، ولقاء الله معذرين ، فقد جاءوكم بل جئتموهم أنتم في دارهم وحيزهم ، فإذا لقيتموهم فاصدقوهم ، واصبروا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ، ولا يولينهم امرؤ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ : لا تقتلوا مدبرا ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تقتلوا أسيرا من أهل دعوتكم ، الا ان يقاتلكم بعد ان تاسروه ، أو يكون من قتله إخواننا بالطف رحمه الله عليهم ، فان هذه كانت سيره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في أهل هذه الدعوة ثم قال سليمان : ان انا قتلت فأمير الناس المسيب بن نجبه فان أصيب المسيب فأمير الناس عبد الله بن سعد بن نفيل ، فان قتل عبد الله ابن سعد فأمير الناس عبد الله بن وال ، فان قتل عبد الله بن وال فأمير الناس رفاعة بن شداد ، رحم الله امرا صدق ما عاهد الله عليه ! ثم بعث المسيب ابن نجبه في أربعمائة فارس ، ثم قال : سر حتى تلقى أول عسكر من عساكرهم فشن فيهم الغارة ، فإذا رايت ما تحبه والا انصرفت إلى في أصحابك ، وإياك ان تنزل أو تدع أحدا من أصحابك ان ينزل ، أو يستقبل آخر ذلك ، حتى لا تجد منه بدا